المادة: محادثة..
أصعب نقطة في المحادثة هي اختيار الموضوع المناسب، بحيث يستفز الطالب للحديث عنه، وينشغل تماما بالاهتمام بالتعبير عن رأيه، وترتيب أفكاره، الأمر الذي يجعله يستخدم أغلب ثروته اللغوية في التواصل معك.. وهذا من أهم أهداف المحادثة.. فالطالب – في عموم دراسته للغة – يكتسب الكثير من المفردات اللغوية، والأساليب التعبيرية.. لكنه إن لم يستخدم هذه الحصيلة، في الكتابة والحديث، فإن هذه الثروة تضمر وتصبح بلا فائدة مع الوقت..
جاء اختيار الموضوع هذه المرة من محادثة المرة السابقة عن “النكات” أو الفكاهات الأمريكية.. والحق أنها كانت محادثة ثرية تشعبت بنا إلى كثير من جوانب الحياة الأمريكية، وكانت الطالبة تتحدث بطلاقة.. كان لديها الكثير لتقوله.. وكانت مهمتي أن أوجهها لتقوله.. لكن باللغة العربية!
وبسبب هذه الطلاقة التي لديها في هذه المنطقة كان اختياري للموضوع التالي عن “الثقافة الأمريكية”..
في بداية المحادثة كتبت هذه العبارة أمام الطالبة .. “الثقافة الأمريكية”..
قالت ببساطة: لا يوجد ثقافة أمريكية!!
الطالبة الأمريكية فاجأتني أنها تنكر تماما وجود شيء اسمه الثقافة الأمريكية.. والسبب؟
أن أمريكا دولة بلا تاريخ.. دولة حديثة النشأة.. هذه واحدة.. السبب الأهم أن الأمريكيين أنفسهم ليسوا شعبا واحدا، وإنما هم مهاجرون من دول أخرى.. دول لها تاريخ وثقافة خاصة بها.. هناك الأمريكي ذو الأصل الإيطالي الذي ما زال يحتفظ بثقافته الإيطالية وعاداته وطريقته في الأكل واللبس.. إلخ.. وكذلك الأمريكي البولندي والأمريكي الصيني والأمريكي الهندي.. إلخ..
صحيح كل هذه الثقافات تجمعت في دولة واحدة، لكنها لم تكون ثقافة جديدة.. لأنها لم تمتزج.. مازالت كل ثقافة تحافظ على استقلاليتها..
في نيويورك مثلا هناك أكبر تجمع للثقافات يمكن أن تراه في مدينة واحدة.. إذا أردت أن تتناول طعاما صينيا، فيمكنك أن تذهب إلى منطقة الصينيين.. إذا أردت مشروبا هنديا اذهب إلى منطقة الهنود في نيويورك.. وهكذا..
هناك تعدد هائل في الثقافات والأديان في أمريكا.. هكذا قالت أماندا، فاستوقفتها قائلا: لكن هناك – في الهند مثلا – عدد أكبر بكثير من الأديان.. قالت: لكنهم من بلد واحد، ويجمعهم تاريخ واحد..
قلت: لكن في أمريكا الجميع يتحدث بالإنجليزية..
قالت: غير صحيح!.. كثيرون جدا في أمريكا لا يتحدثون الإنجليزية مطلقا.. هناك صينيون لا يتحدثون إلا الصينية، وأسبان لا يتحدثون إلا الألمانية.. وهكذا..
“غريب جدا !”..
هي تنكر تماما وجود ثقافة نشكو نحن من أنها غزت ثقافاتنا!
قلت لها نحن نتحدث عن غزو الثقافة الأمريكية لنا وتأثر الثقافة العربية بها بحيث حدث ما أسماه البعض بـ”التأمرك”!.. الأسلوب السريع للحياة.. الطعام السريع، والملابس الأمريكية، وحتى السينما الأمريكية..
قالت ببساطة: الطعام السريع جديد في أمريكا أيضا، وموضة الملابس هذه ليست في أمريكا وحدها وإنما هي سمة غربية عامة.. أما السينما الأمريكية فهي الأفضل في عالم السينما!
قلت: هناك السينما الهندية مثلا.. إنتاجها تفوق على هوليوود!
أبدت امتعاضها، وقالت: لا أحب السينما الهندية.. أغلبها أفلام غنائية.. كما أن السينما الأمريكية هي الصناعة الأولى في أمريكا، وهذا طبيعي، نظرا للميزانيات الضخمة التي ترصد لها..
قلت: غريب جدا أن تقول أمريكية أنه لا يوجد ما يسمى بالثقافة الأمريكية.. أنا أظن أن هذه سمة عند المواطن الأمريكي، فهو لا يعرف شيئا عن أمريكا.. بعبارة أخرى: المواطن الأمريكي يهتم بنفسه فحسب.. فإذا كان يعيش في نيويورك فهو لا يعرف شيئا عن كاليفورنيا مثلا.. وأذكر أن كأس العالم لكرة القدم، عندما أقيمت في أمريكا عام 1994 ، كان معظم الأمريكيين يجهلون هذا الحدث أصلا!
قالت بمزيد من الإصرار: لأنهم لا يهتمون بكرة القدم.. هذا هو كل شيء..
أما عن الولايات الأخرى، فمن الطبيعي ألا أعرف شيئا عنها.. المسافة بين ولاية وأخرى كالمسافة بين دولة وأخرى.. وتكلفة السفر من نيويورك إلى لوس أنجيليس أكبر من تكلفة السفر إلى مصر! ولا أحد لديه وقت ولا بال رائق لمتابعة أخبار الولايات الأخرى..
المشكلة في رأيي – هكذا قالت أماندا – أن العرب لديهم فكرة غير صحيحة عن الأمريكيين.. فكرة بها جزء صغير من الحقيقة.. لكن الجزء الأكبر من هذه الفكرة هو خيال محض، مستمد من الأفلام الأمريكية…